وهبة الزحيلي

32

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وليس كلّ تراض معترفا به شرعا ، وإنما يجب أن يكون التراضي ضمن حدود الشرع ، فالرّبا المأخوذ عن بيع فيه تفاضل أو بسبب قرض جرّ نفعا ، والقمار والرّهان وإن تراضى عليه الطّرفان حرام لا يحلّ شرعا . وقوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ معناه في الظاهر النهي عن قتل المؤمن نفسه في حال غضب أو ضجر ( وهو الانتحار ) ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة - : « من قتل نفسه بحديدة ، فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم ، خالدا مخلدا فيها أبدا » . ولكن اتفق جمهور المفسرين على أن معناه : لا يقتل بعضكم بعضا ، وإنما قال : أَنْفُسَكُمْ مبالغة في الزّجر ، كما قال في الأموال : أَمْوالَكُمْ . جاء في الحديث : « المؤمنون كالنفس الواحدة » « 1 » . ولا مانع أن تكون الآية نهيا عن قتل الإنسان نفسه وعن قتل الآخرين ، وعن كلّ ما يؤدي إلى الموت كتناول المخدرات والسموم الضارة والمجازفة في المهالك . والسبب في إيراد هذه الآية هنا في مجال الكلام عن المعاملات المالية : أنه لما كان المال شقيق الروح من حيث إنه سبب قوامها وبه صلاحها ، حسن الجمع بين التوصية بحفظ المال والتوصية بحفظ النفس . وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليل للنهي السابق ، أي إنما ينهاكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس ؛ لأنه لم يزل بكم رحيما . ومما يدلّ على حرمة المجازفة بالنفس في المهالك قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة 2 / 195 ] ، وما أخرجه أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه أنه قال :

--> ( 1 ) نص الحديث : « المؤمنون كرجل واحد ، إن اشتكى رأسه اشتكى كله ، وإن اشتكى عينه اشتكى كله » رواه أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير .